محمد بن وليد الطرطوشي

259

سراج الملوك

طاويين « 1 » ، فلمّا أصبحوا ونظر النبي صلى اللّه عليه وسلم إليهما ، تبسم ثم قال : لقد عجب الله من فلان وفلانة هذه الليلة ، ونزلت : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ « 2 » [ الحشر : 9 ] الآية . وقال أنس : أهدي لبعض الصحابة رأس شاة مشوية وكان مجهودا « 3 » ، فوجه به إلى جار له ، فوجه به الجار إلى أهل بيت آخر ، فتداولته سبعة أبيات ، حتى عاد إلى الأول فنزلت وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ . . . . وقال حذيفة العدوي : انطلقت يوم اليروموك أطلب ابن عم لي ، ومعي شيء من ماء ، وأنا أقول : إن كان به رمق سقيته ، فإذا أنا به بين القتلى ، فقلت : أسقيك ؟ فإذا رجل يقول : آه ، فأشار ابن عمي أن انطلق إليه ، فإذا هو هشام بن العاص « 4 » فقلت : أسقيك ؟ فسمع آخر يقول : آه فأشار هشام : أن انطلق إليه ، فجئته فإذا هو قد مات ، ثم رجعت إلى هشام فوجدته قد مات ، ثم رجعت إلى ابن عمي ، فإذا هو قد مات . وروت عائشة رضي الله عنها ، قالت : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « السخي قريب من الله ، قريب من الناس ، بعيد من النار ، والبخيل بعيد من الله ، بعيد من الناس ، بعيد من الجنة ، والجاهل السخيّ أحبّ إلى الله من العابد البخيل » « 5 » . وروي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ابن آدم ، إنما لك من مالك ، ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو أعطيت فأمضيت » « 6 » . واعلم : أن السخاء على وجوه : سخاء في الدين ، وسخاء في الدنيا ، فالسخاء في الدنيا : البذل والعطاء ، والإيثار ، وسماحة النفس ، قال الله تعالى : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ الحشر : 9 ] ، وعلامته : ترك الادخار ، وبغض جمع المال ، وتعاهد الإخوان ، مسرورا قلبه بذلك .

--> ( 1 ) باتا طاويين : أي جائعين . ( 2 ) والحديث صحيح رواه البخاري بلفظ شبيه في كتاب التفسير . ( 3 ) مجهودا : فقيرا . ( 4 ) هشام بن العاص بن وائل أخو عمرو بن العاص اسلم بمكة قديما كان شجاعا صالحا شهد الوقائع وقتل في اليرموك . ( 5 ) الحديث : رواه البيهقي في شعب الإيمان عن جابر والطبراني في الأوسط عن عائشة ورواه الترمذي في كتاب البر والصلة باب ما جاء في السخاء رقم 1961 وقال : غريب ( كنز العمال رقم 15928 ) . ( 6 ) الحديث صحيح رواه مسلم في كتاب الزهد ورواه الترمذي في أبواب الزهد .